ابن عربي

157

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 86 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 ) لولا نحن ما قيل : دنيا ولا آخرة ، وإنما كان يقال ممكنات وجدت وتوجد كما هو الأمر ، فلما عمرنا نحن من الممكنات المخلوقة أماكن معينة إلى أجل مسمى من حين ظهرت أعياننا ، ونحن صور من صور العالم ، سمينا ذلك الموطن الدار الدنيا ، أي الدار القريبة التي عمرناها في أول وجودنا لأعياننا ، وقد كان العالم ولم نكن نحن ، مع أن اللّه تعالى جعل لنا في عمارة

--> أخذنا ميثاقكم على ما وجدتموه في التوراة وتقرونه بينكم « لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ » أي لا تقتلوا أنفسكم ، ولا يقتل بعضكم بعضا ، يقول اللّه فيمن قتل نفسه [ بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ] « وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ » أي لا يخرج بعضكم بعضا من منزله تعديا عليه « ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ » بأن ما ذكرناه حق « وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ » أنه في كتابكم كما أخبركم به محمد عليه السلام ، وهو أمي لا يقرأ كتابكم ، فتعلمون أنه نبي أرسلناه من عندنا ، فكفرتم ببعض ما أنزل إليكم في كتابكم ، وهو قوله ( 86 ) « ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ » يقول يقتل بعضكم بعضا « وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ » أي تتعاونون عليهم بما تأثمون بفعله « وَالْعُدْوانِ » من التعدي لحدود اللّه « وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ » من ديارهم ، فهذا مما كفرتم به فغيرتم الصفة التي أقررتم ، بما فعلتم من القتل والإخراج ، فغير اللّه بكم بما نذكره في الخزي الذي نالهم في الحياة الدنيا ، قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) وكتبنا عليكم في التوراة أن تفدوا من أسر منكم ، وهو قوله « وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ » فهذا مما أنتم به من التوراة مؤمنون ، يقول اللّه لهم « أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ » وهو قوله أيضا في سورة النساء ( وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ) أي يحدثوا طريقا أخرى من عند أنفسهم ، أولئك هم الكافرون حقا ، فقال تعالى « فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ » وهو الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه « إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » وهو ما كان من قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير ، وما ضرب اللّه عليهم من الذلة والمسكنة أينما كانوا إلى يوم القيامة « وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ » وهو الدرك الأسفل من النار الذي أعده اللّه للمنافقين « وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » وعيد وتهديد من اللّه لهم ( 87 ) « أُولئِكَ » إشارة إليهم « الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ